أرض الإسراء

 القدس والنزوات الصهيونازية

د.عزت جرادات

الأمين العام 

المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس.

- تشهد مدينة القدس تصاعداً في وتيرة الأحداث فتزايد بناء الوحدات الاستيطانية حولها، وتكثيف سلسلة الاقتحامات التي ينفذها المستوطنون وغيرهم من الفئات الصهيونية، وتواصل دخول القيادات اليهودية نواباً ومسؤولين، بحماية ورعاية سلطات الاحتلال العسكرية ... ورعايتها. ما هي إلاّ تهيئة وتوطئة لما هو أخطر... وهو التمهيد للتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك ومحيطه على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل، وكانت الإجراءات في إغلاق الحرم القدسي الشريف في وجه المصلين من جهة، ورعاية دخول الأفواج اليهودية من قبل السلطات العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى، إيذانا ببدء مرحلة جديدة... تعبر عن معركة مصادرة الحرم القدسي الشريف...

وقد أوجدت إسرائيل المناخ الصهيوني لبدء هذه المعركة بعزم "الكينست" الإسرائيلي مناقشة سحب الوصاية الهاشمية وإنهاء الدور الأردني في حماية الأقصى ورعايته والمقدسات الدينية، الإسلامية والمسيحية في القدس... والتمهيد لفرض السيادة الصهيونية الكاملة على الحرم القدسي الشريف...

أن الأقدام على هذه الخطوة ستشعل حريقاً تبدأ نيرانه في القدس وتمتد إلى أبعد من ذلك في جميع الاتجاهات ... ذلك أن المسجد الأقصى يمثل حالة من الإجماع العربي/ الإسلامي... فتبدأ مرحلة من الصراع العربي- الإسرائيلي... مجهولة الطابع والحجم والمستوى...على الرغم من الضعف والهوان العربي والإسلامي، ذلك أن الأمة إذا مامّست في عقيدتها ومقدساتها... فأنها لا تستطيع وقف تفجير طاقاتها الكامنة... دونما سابق إنذار أو مؤشرات... فالنار قد تشتعل من أصغر الشرر... فكيف بأعظمه ... وهو الأقصى المبارك.

أن معركة الأقصى المبارك... والتي أجمعت القوى الصهيونية على هدف واحد ... وهو احتلاله... لجديرة بأن تجتمع الأمة العربية والإسلامية على هدف حمايته وإنقاذه... وأصبح حتما على الأمة- أن تواجه هذه المعركة بصوت عال، وعزم وإرادة قويتيْن بالتعبير الصريح... والموقف السياسي الواضح نحو:

-         اعتبار الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية للحرم القدسي الشريف... والمقدسات الدينية، الإسلامية والمسيحية. في القدس الشريف... هي الموقف العربي والإسلامي الذي تجتمع عليه الأمة ... وبغياب هذه الوصاية وهذا الدور تصبح المقدسات الدينية في القدس- بما في ذلك الحرم القدسي الشريف، في دائرة الخطر المتمثل بفرض سيطرة (وزارة الأديان الإسرائيلية) وحري بمنظمات واتحادات البرلمانات العربية والإسلامية تبنى هذا الموقف بصراحة ووضوح.

-         إعادة النظر في العلاقات العربية/ الإسلامية مع الدول الداعمة لإسرائيل، وبخاصة في هذه المعركة تحديداً، على مدى دعم تلك الدول للقضية الفلسطينية... والتي تعتبر القدس الشريف جوهرها...(فلا دولة فلسطينية بدون القدس ولا قدس بدون الأقصى) وتعزيز ذلك بموقف تتخده اتحادات البرلمانات العربية والإسلامية... بقوة وصراحة.

-         استخدام العلاقات الاقتصادية.. العربية/ الإسلامية مع القوى الاقتصادية العالمية كقوة ضغط فاعلة ومؤثرة في حشد التأييد العالمي للمواقف العربية/ الإسلامية للدفاع عن قضية القدس، والحرم القدسي الشريف تحديداً... ورفض أي محاولة صهيونية للاعتداء على الأقصى أو التدخل في شؤونه ... ولدى الأمة قوة اقتصادية مؤثرة عالمياً.

-         اعتماد موقف عربي/ إسلامي واحد وقوي في جميع المحافل الدولية... حيثما تعرض قضية القدس: مقدسات وسكاناً وهوية، والدفاع عنها... مهما كانت الخلافات فيما بينها... فالقدس... دافع وحدة وتجميع في المواقف والأهداف... ويصبح اتخاذ مثل هذا الموقف... استجابة حتمية وتلقائية لنداء القدس والمقدسات الدينية فيها، الإسلامية والمسيحية.

-         ومما لا خلاف فيه أن الحل الجذري لقضية القدس والأقصى المبارك يتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية في حدود عام (1967م) وعاصمتها القدس الشريف المحتلة... وسيظل هذا الحل يراوح مكانه... بدون موقف عربي/ إسلامي ضاغط وقوي من شأنه أن يجعل من أقامة هذه الدولة مصلحة دولية تهم القوى الكبرى... قبل الصغرى في عالم يواجه الاختلال الاقتصادي... والتدهور البيئي والاستبداد السياسي... والعنف المجتمعي الذي تمارسه المنظمات المتطرفة ودولة الاحتلال، وذلك من أجل إقامة نظام عالمي... قوامه الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان ونشر العدالة الاجتماعية... وتصفية الاحتلال أينما وجد....

-         وأننا نستذكر ذكرى إحراق الأقصى (21/8/1969م) الذي أدى إلى إجماع الدول الإسلامية لإيجاد (منظمة المؤتمر الإسلامي)... فهل يستدعي اقتحام الأقصى وأخطار تقسيمه، زماناً ومكاناً، تحرّكا من هذه المنظمة تحت شعار أسمها الجديد (منظمة التعاون الإسلامي) وختاماً، فأننا نثمن عالياً الجهود المباركة التي قام بها صاحب الوصاية على المقدسات الدينية في القدس، جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، سواء باستخدامه ما يملك من حصافة سياسية ومن أوراق ضغط أم بتوجيهاته السامية ليقوم الأردن بدوره السياسي... لوضع حد لقوى الشر... في اعتداءاتها على الحرم القدسي الشريف، كما تجدر الإشادة بالدور الذي قام به المقدسيون بشكل خاص والفلسطينيون بشكل عام في فلسطين... سداً منيعاً أمام تلك القوى... وعدم تمكينها من زرع أشواكها في رحاب الحرم القدسي الشريف... وتظل تصريحات العدو بأنه لا نيّة لديه لتغيير الواقع في الأقصى المبارك) مبهمة المعنى فهي تعني أي شيء بالنسبة له... إلا كونه سلطة احتلال وهنا يكمن الخطر ويطلب الحذر.

د. عزت جرادات

رئيس لجنة القدس وفلسطين

(المجلس الإسلامي العالمي – القاهرة)

الأمين العام

(المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس- عمان)

iztjrdt@yahoo.com

 

59 مكتب المؤتمر الاسلامي لبيت المقدس

خطة اسرائيلية لم يسبق لها مثيل

لتوسيع الاحياء اليهوديةفي القدس الشرقية

1
56 مكتب المؤتمر الاسلامي لبيت المقدس

خطة اسرائيلية لم يسبق لها مثيل لتوسيع

 الاحياء اليهوديةفي القدس الشرقية

2
40 manager

في ذكرى حرب 1948 : الجيش العربي يسطر

تضحيات البطولة والدفاع عن ثرى فلسطين بأحرف من ذهب

3

25

manager

تقرير اممي :اسرائيل صادرت 35% من اراضي

 القدس للمستوطنات

4

 

59 مكتب المؤتمر الاسلامي لبيت المقدس

الذكرى الـ 44 لإحراق المسجد الأقصى المبارك

1
   

 

بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة القدس رافعة كبرى ومنجز جد عظيم للمدينة المقدسة

الحلقة الأولى

 

ليس من نافلة القول ولا بدعاً من الحديث إن ذكرنا –بفتح الكاف- أو ذكرنا –بتشديد الكافة المفتوحة- بأن إنشاء جامعة عربية إسلامية في المدينة المقدسة كان مطمح أمتنا الإسلامية ومحط آمال كبار قادتها السياسيين والتربويين والمفكرين، وقبل ذلك وبعده نظر العلماء الأجلاء الثاقب في الثلث الأول من القرن العشرين حيث نشوء الصراع العربي الإسرائيلي على فلسطين، وذلك بعيد سقوط الخلافة العثمانية وظهور أطماع الحركة الصهيونية، وبدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتحديداً بعد إنشاء الجامعة العبرية على أرض القدس الشريف. فبدأت حينئذ المخاوف من الاستيلاء على القدس خاصة وفلسطين عامة لدى قادة الأمة الإسلامية من قادة محليين، أو قادة من أقطار مجاورة لبلاد الشام ومصر والعراق، أو على مستوى الأمة من حدود إسبانيا في الغرب إلى أطراف الصين في الشرق. وهذا له تاريخ حافل وسجلات ولقاءات ورحلات ومذكرات ومشاهير. وكله مدون ومحفوظ ومخطوط. لكن إفراده هنا من غير الممكن عبر مقالة في صحيفة لها أهداف وغايات سوى غايات التدوين في مجال السرد التأريخي أو تدوين التاريخ. غير أن هذا الحلم –كما أسلفنا من قبل وفي أكثر من مناسبة- لم يتحقق وبقي تحقيقه بعيد المثال بسبب ظروف الاحتلال البريطاني لفلسطين وفرض الوصاية الدولية على هذا القطر الذي لا يزال يعاني الإحتلال والنزف الدموي والإقتصادي، ويعاني التشريد والحصار، وسياسات الخنق والإذلال ومصادرة الأراضي وتكثيف الاستيطان وتوسيع مساحات السجون وإعدادها كي تتسع لأكبر عدد من الفلسطينيين. اللهم لا حول ولا قوة إلا بك وحدك لا شريك لك.

غير أن الإرادة الإلهية حينما تتم ويأتي أمرها لا راد لها ولا محيل ولا مغير لها. سنة الله فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

فشاءت إرادة الله الحكيمة أن تنشأ هذه الجامعة، بل وتكبر وتنمو حتى تغدو من أحسن وأفضل الجامعات في فترة زمنية قياسية لا تعهدها فترات إنشاء الجامعات، ولا تعهدها سنن إنشاء هذه الصروح العلمية المتميزة.

غدت هذه الجامعة في أحضان بيت المقدس والمتربعة في إحدى زواياه وفي أحد أركانه راسية من الرواسي الشداد المثبتة للقدس عروبتها وإسلامها.

كما غدت قاعدة من القواعد الهامة في تثبيت الهوية الثقافية والتربوية لهذه المدينة المهددة، وعنواناً وطنياً عريضاً في مدينة كثرت فيها المسميات والعناوين غير العربية، بل لنقل مسميات وعناوين يهودية فوق أرض هذه المدينة وتحتها. وعن الأنفاق تحت الجزء العربي -والذي فيه اعتراف بأنه محتل وعربي- فحدث ولا حرج.

جامعة بل مدينة جامعية في قلب القدس من أعظم أسباب المحافظة على مستقبل العروبة والإسلام في هذه المدينة. ومن خلال نظرة سريعة لخريطة هذا المعلم العظيم في هذا الموقع الأهم والأخطر من حيث الزمن وتاريخ حياته للاستيلاء عليه وتهويده وسلخه وفصله عن جسده الأم لتثبؤنا نظرة من هذا النوع على عظمة هذا المنجز، وأهميته في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي الحديث. هذه الجامعة وهذا الصرح العلمي والمعرفي والثقافي الذي غدا ملاذاً آمناً لذوي المدينة المقدسة وأهلها الصابرين الصامدين، غدا هذا المعلم الكبير والضخم رئة يتنفس من خلالها المرابطون في خندق الدفاع عن أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين. غدا هذا الإنجاز الذي يملأ السمع والبصر معيناً لا ينضب أمام الرواد الظمآى من أكناف بيت المقدس، فضلاً عن حمايتهم من كل زيغ أو تيه أو ضلال، هذا موقع ومشفى لجيل في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس يتهدده خطر الضياع والإنحراف والفساد أو السقوط في مهاوي الرذيلة والفتن.

وحينما راودت نفسي في الكتابة عن هذا الموضوع ظننت أن مقالة قد تسعفني في هذا المجال، ولكن حينما أمسكت بالقلم وقلت بسم الله وبدأت بالكتابة حار قلمي وتشعبت أفكاري وأضحى الحديث بين يدي خواطري ذا شجون مع العلم أنني قد كتبت الكثير في هذا المجال فيما سبق من أيام وشهور وسنين خلت، ولربما لو جمع الذي قد كتبته في هذا السياق يقع في مجلد كبير. ورغم كل ذلك قررت أن تكون كتابتي اليوم عبر حلقتين ومقالتين لا حلقة ولا مقالة واحدة. وذلك نظراً لأهمية الموضوع وغزارة نوع الحديث فيه، وضرورة التعرض له سيما مثل هذه الأيام العصيبة من تاريخ القدس الشريف. وجاء ذلك على أثر مقالة تخص رحالة زار بيت المقدس وكتبت عنها قبل أيام. كما جاء بسبب ما أسمعه أحياناً من البعض غير المنصفين وغير المتبحرين أو غير الناظرين نظراً ثاقباً في حاضر الجامعة ومستقبلها على أرض أولى القبلتين. ودائماً أقول: أين الكمال في كل مؤسسة أو عمل سيما في مؤسساتنا الفلسطينية عبر ظروفنا الصعبة والقاسية؟ أين الكمال وأين النهاية في كل مرحلة من مراحل التطور والنماء والصعود؟ هل كل عمل بالضرورة سيحوز على إعجاب الجميع وإعجاب الكل؟ لو كان الأمر كذلك لما حكمنا على أحد بالنجاح في الدنيا، ولو كانت الأمور والنجاحات تقاس عبر هذه المعايير الخاطئة تماماً لما تقدم وتتطور أحد. شتان بين الناقد الباني، والناقد الهادم. وفرق كبير بين الموضوعي الحيادي وبين الموتور والحاسد. هناك فارق شاسع بين المتفائل والمتشائم. كما وهناك بون ومسافة بين من ينظر إلى الإيجابيات ويبني عليها حياته ونجاحاته وتقييمه للآخرين والنهوض بعثراتهم وكبواتهم، وبين من ينظر إلى السلبيات ويجعلها هي المنطلق والهدف، فهذا لا ولن يبني ويكون سبباً في التقدم والتطور والنهوض بالمؤسسات والمجتمعات.

إن مثل الذي ينظر إلى النجاح العظيم والمنجز الكبير وفي الوقت نفسه يزدري هذا النجاح أو المنجز العظيم لبعض السلبيات أو الأخطاء فيه كمثل الذي يقول لمن حاز على معدل 90% أنت صاحب عمل ونتيجة سيئة وسلبية لأنه لديك عشرة أخطاء، أخطأت في كذا وكذا، فيعدد له أخطاءه وناسياً أو متناسياً90 صواباً حاز فيها على قصب السبق واستحق أن يكون تقديره الإمتياز. أو من حاز على معدل 80% فيقول له المتشائم أو صاحب الميزان المعوج: نتيجتك سيئة لأن عشرين خطأ لديك. أهكذا تقوم أو تقيم النجاحات وبناء المؤسسات والمجتمعات؟ ثم هناك اختلاف في وجهات وطرائق الإجتهاد وقياس الأمور والأشياء والحكم عليها، فليس بالضرورة إن حكمت على أمر من الأمور أنه خطأ أن يكون هذا الحكم صائباً أو صائباً من كل الوجوه، وليس بالضرورة إن صوبت أمراً أن يكون كذلك وإن خطأته أن يكون خطأ. لماذا لا يعذر بعضنا بعضا؟ لماذا لا يلتمس بعضنا العذر لبعض. أين نحن من القاعدة العظيمة من قواعد الإجتهاد والدعوة إلى إعمال العقل والرأي في قول المصطفى صلوات الله عليه "من اجتهد فأصاب له أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجراً"؟ بتقيماتنا السلبية نأتي على كل إيجابية، ونحبط كل عامل ومجتهد، فتضمحل لدينا الهوامش الإيجابية والهوامش الصائبة وتكثر لدينا هوامش الخطأ والخلل والزلل. كأننا نقول والحالة هذه للمجد والمجتهد والمخلص والعامل والباني: إياك أن تعمل لأن السهام ستنوشك، وإياك أن تجد وتجتهد لأنك ستكون غرضاً للآخرين.

هذه فلسفة تربوية خاطئة جداً، بل قاتلة. إن بنينا برجاً عظيماً فهل لخلل بسيط وخطأ في بعض الأمور في هذا البرج يجب أن نحكم على البرج والطواقم الهندسية والفنية والمهرة أنهم كلهم خطأ وما صنعوه لا يستحقون عليه الجزاء الحسن ولا الشكر الكريم؟ يا قوم والله إن هذا لعين الظلم والحيف على الآخرين.

نحن لسنا في الوقت نفسه ضد من يقدم النصح الكريم والرأي السديد، لسنا ضد من ينقد ليبني ويطور، ولسنا ضد من ينقد ليصوب ويحسن. فهذا شيء والإساءة شيء آخر. لربما هنا خرجت بعض الشيء عن النص كما يقال، أو حل بي ما كان يحل بالجاحظ من الإستطراد. لكن ذلك والله من الألم الذي في النفس بسبب هذه السياسات النقدية والتربوية والتوجيهية الخاطئة في مجتمعاتنا العربية، والتي بسببها نتجرع آلام التخلف والخلط والخطل. ومما لا ريب أن هذه السياسات لن تخلق تقدماً وعملاً ناجحاً ومتطوراً، بل ستقودنا إلى الفشل والنأي عن النجاحات في مجالات الحياة المتعددة.

وأنا أقول هنا بأنه يتوجب أن يؤخد بيد الناجح والمخلص والجاد والغيور ويلزم الوقوف إلى جانبه والذود عن حياضه والتماس العذر له حتى لو بان خطؤه كالشمس في رابعة النهار.

يقود كل ذلك إلى ضرورة إدراك أهمية جامعة القدس وأنها منارة من منارات العلم والهدى على الثرى المكروب المهدد، وتضطلع هذه الجامعة برسالة متميزة ومختلفة في كثير من غاياتها وأهدافها عن باقي الجامعات.

أذكر في الاجتماع الثالث لرابطة الجامعات الإسلامية وفي دورة المجلس التنفيذي التاسع لهذه الرابطة والمنظومة الدولية حين مناقشة تقارير الجامعات الأعضاء في المجلس التنفيذي وكان ذلك في رحاب جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن الشقيق بتاريخ 18/2/2012م وكانت ورقتي عن جامعة القدس حيث هذه الجامعة عضو في المجلس التنفيذي للرابطة وهي الجامعة الفلسطينية الوحيدة في هذا المجلس ولله الحمد، وهذا مكسب كبير للجامعة ومفخرة لنا كفلسطينيين، ومما قلته في هذه الورقة تحت عنوان: من أين تأتي أهمية جامعة القدس؟ ...

إن لجامعة القدس أهمية كبرى في حاضرنا وظرفنا المعاصر تميزها عن سائر الجامعات، ثم تحدثت عن سبب هذه الأهمية وتميزها عن سواها من الجامعات، إذ تناولت الجانب الديني وقداسة المكان الرابضة على أرضه هذه الجامعة. ثم تاريخ هذه المحلة المرموقة والمكان المقدس المختلف عن سواه من الأمكنة والمدن والبلدان، وقد قلت في هذا اللقاء: إن تاريخ القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك تاريخ حضارة وعلم ومجد على الدوام. فعلى هذا الثرى تحاورت الأمم والحضارات، وعلى هذا الثرى وقعت الحروب والمطاحنات، وفي أروقة هذه البقعة كانت دور العلم، وفي باحات المسجد الأقصى درج العلماء ودرسوا ودرسوا، وفي جنباته نبغ الفقهاء والمفكرون، وعلى مصاطبه جلس العلماء يصنفون ويؤلفون ...... إلخ.

ثم تحدثت عن توقيت إنشاء هذه الجامعة وقلت في هذا التوقيت كلاماً مطولاً. ثم كون هذه الجامعة جامعة العاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة. ثم تناولت رسالة الجامعة الجليلة التي تضطلع بها على هذا الثرى الطهور.

إلى هنا في هذا اللقاء وإلى حلقة قادمة أخرى بإذن الله. والسلام عليكم.

 

د. حمزة ذيب مصطفى

جامعة القدس

وفق 9/2/2013م

 


بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة القدس رافعة كبرى ومنجز جد عظيم للمدينة المقدسة

الحلقة الثانية

من أين تكتسب الجامعة أهميتها؟

تكتسب جامعة القدس أهمية مميزة من تاريخ المحلة المرموقة التي هي على أرضها والمكان المقدس المقامة على ثراه المختلف عن سواه من الأمكنة والمدن والبلدان. حيث تاريخ القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك تاريخ حضارة وعلم ومجد على الدوام. فعلى هذا الثرى تعاورت الأمم والحضارات, وعلى هذا الثرى وقعت الحروب والمطاحنات, وعلى هذا الثرى جرت المنافسات والمطارحات, وفي أروقة هذه البقعة كانت دور العلم, وفي باحات الأقصى درج العلماء ودَرَسوا ودَرّسوا. وفي جنباته نبغ الفقهاء والمفكرون وعلى مساحاته جلس العلماء يصنفون ويؤلفون,  ومن زواياه تألق نجم شيوخ المتصوفة المعتدلين والمتنورين ومريديهم, وكان الإمام العلامة والفقيه المفكر الغزالي على رأسهم. حيث كان ولا يزال حجة عند المتصوفة وسواهم, وفي أروقته وضع كتابه الشهير  "إحياء علوم الدين".

فالأمر البدهي والطبيعي وأقل القليل –كما يُقال- أن تكون على ثراه جامعتنا العتيدة بمستوى مرموق ومكانة مميزة. فليس بدعا ولا أمرا غير عادي أن يكون المسجد الأقصى وثرى القدس الطهور محج العلم وقصاد المعرفة وكعبة المتجهين صوب الفقه والعلم والثقافة بوجه عام.

ومن المعروف أن وطننا فلسطين يخضع ويقبع تحت الإحتلال الإسرائيلي, وبلادنا كلها مهددة ومحل أطماع الحركة الصهيونية, وغدت بسهولها وجبالها وهضابها وبساطها, وحواضرها وقراها وبواديها محل تخوف وخطورة, إذ الإحتلال لم يترك شاردة ولا واردة إلا ووضع يده عليها أو يحاول قصارى جهده. ويعمل جاهداًلقضم الأراضي الفلسطينية والإستيلاء عليها وسلب أصحابها ديارهم وأوطانهم, لتكون ملاذ اليهود وموقعا ووطنا للإستيطان والمستوطنات وعلى رأس كل ذلك القدس الشريف. إذ احتل اليهود شطرها سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وألف (1948م) وأكملوا إحتلال الشطر الآخر منها سنة سبع وستين وتسعمائة وألف (1967م) وأعلنوها عاصمة أبدية لدولتهم. وبدأوا بسياسيات التهجير من خلا التضييق المستمر على أهلها وأصحابها العرب الفلسطينيين وإغلاق المؤسسات العربية ما أمكن إغلاقه منها كلما سنحت الفرصة ورأوها مناسبة. كما صادروا –ولازالوا يصادرون- الكثير من أراضيها وأزالوا الكثير من بيوت العرب فيها بحجج أوهى من بيت العنكبوت, وأحاطوها بالمستوطنات كما يحيط السوار بالمعصم, وأقاموا جدار الفصل العنصري ففصلوها وسلخوها عن باقي مدن وبلدات الضفة الغربية حتى غدا أهلها غرباء فيها, فأحيلت المدينة إلى موقع أشباح وخلت من سكانها العرب الأصليين إلا قليلا, وهجرها بعض أهلها نتيجة هذه السياسات والممارسات التي تقود سكانها العرب بصورة أو بأخرى إلى تركها عنوة وتحت ضغط تلك السياسات المهجرة والمعنتة في جوانب الحياة المختلفة من سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وتعليمية. وماعدم اعتراف وزارة التتعليم العالي الإسرائيلية بشهادتها ورفضها لاستيعاب خريجي هذه الجامعة إلا نموذج ونوع دال على محاربتهم للتوجه العربي في القدس, والتضييق بكل جهد مستطاع على أهلها وسكانها.

لهذه الأسباب ولغيرها غدت السكنى في القدس والثبات على هذه الأرض وصمود أهلها وشعبها وإنشاء المؤسسات العربية داخلها نضالاً كبيراً وجهاداً عظيماً وتضحية شديدة, لأن هذه الأمور وهذه الوسائل هي أعظم ما يحافظ من خلالها على القدس من الضياع أو التهويد, أو الفقدان لهويتها الوطنية عربية وإسلامية.. فمحاولة البقاء والصمود على هذه الأرض وإنشاء المدارس والمؤسسات العربية وعلى رأسها الجامعة هي من أعظم وسائل المحافظة على هذه المدينة كي تبقى في سياقها العربي والاسلامي, وهي من أهم ما يجب وضعه في أولوياتنا كفلسطينيين أولا, وكعرب ومسلمين ثانيا. وهذا ضرب من التضحية والفداءلإنقاذ هذه المدينة المقدسة واستردادها وعودتها إلى الدائرة العربية والاسلامية.

كما ومن المعروف أن إنشاء الجامعات العلمية إنما يكون في العواصم والحواضر ومواقع التجمع السكاني, حيث للجامعة رسالتان:

   أ- الرسالة العلمية والبحثية

   ب- خدمة المجتمع والعمل على تطويره

ودائما أو غالباً ما تكون الجامعات الكبيرة والجامعات المعتبرة وذات المكانة العلمية المرموقة في العاصمة, إذ العاصمة هي الأشهر والأكبر والأوفر حظا في معظم النشاطات والمكتسبات والمجالات التربوية والمجتمعية, ولها حصة الأسد من المؤسسات ذات النفوذ والتوجيه والإعداد, كما هي الأشهر في النفوذ السياسي وغالباً أيضا الإقتصادي والعلمي والطبي, كما هي الأكثر عراقة وصيتا على الصعيد الإعلامي.

فمن البديهي والطبيعي والحالة هذه أن تتوفر وتوجد جامعة مميزة في العاصمة وغالبا ما تكون هي الأشهر والأضخم في كل جامعات الوطن, لأن العاصمة عنوانها وهي عنوان العاصمة في الجانب العلمي والمعرفي والتربوي بل وخدمة المجتمع.

وبما أن القدس هي عاصمة الدولة الفلسطينية المنتظرة والمنشودة, وهذه المدينة على وجه التحديد لها مكانتها الدينية والتاريخية والحضارية, فإن لم تكن فيها جامعة –والحالة هذه- أين ستكون هذه الجامعة؟ وإن لم تكن الجامعة المميزة في كل شيء فأي الجامعات ستكون حينئذ بهذا التميز؟

ومن هنا ولهذه الأسباب ولغيرها من أسباب كثيرة تكمن أهمية جامعة القدس وضرورة إنشائها على ثرى القدس الطاهر.

وعلى ضوء ما تقدم فإن انشاء هذه الجامعة أمر في غاية الأهمية وضرورة من ضرورات حياة شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية الاسلامية, بل هو جهاد كبير وتحدجد عظيم جسيم, ونضال متحتم. وحجم رسالة جامعة القدس من حجم مكانتها ومكانة الثرى الذي هي عليه, فليس غريبا إن طولبت بما لم تطالب به جامعة سواها, أو علق عليها آمال لم تعلق على غيرها, أو سئلت عن شيء أو أمر لا تسأل سواها عنه.

كما أن الأصل في هذه الجامعة أن تتطور يوما إثر آخر وسنة إثر أخرى.

الأصل في هذه الجامعة أن تكون بالمستوى الذي يليق بها كجامعة,  ويليق برسالتها على أرض القدس الشرسف محل العلم وكعبة العلماء والباحثين والمصنفين, ويليق بكونها جامعة العاصمة للدولة المنشودة. بل يشكل انشاء جامعة على أرض القدس بحجم مميز وتتطور عصري يتساوق وروح التقدم المعرفي الذي نعيشه, وأعداد كبيرة من الكليات والأقسام وبرامج الدراسات العليا والمعاهد ومراكز البحث العلمي. يشكل إنشاء جامعة من هذا النوع على هذه البقعة تحديدا النواة الصلبة لدولة منشودة, هذه المحلة عاصمتها وكعبة قصادها. وإن إنشاء من هذا النوع يدفع باتجاه وتيرة أنها عاصمة عربية ومدينة إسلامية يتوجب أن تبقى عربية إسلامية نقنع بهذا الحجم من الوجود العلمي والبحثي والمعرفي الغير بضرورة أن يكون هذا هو التوجه الدولي والعالمي, ونجذر وننمي قناعة موجودة لدى الآخرين بأننا شعب مصر على التحرير ولنا تطلعات شعوب العالم من الحرية والانعتاق من حبس الإحتلال وإقامة دولة مستقلة قائمة بذاتها, سيما وأننا كشعب فلسطيني يعيش آخر احتلال في العالم.

إن انشاء جامعة من هذا النوع ليشد كثيرا من عضدنا في مطالبتنا بدولة, والمدينة القائمة على ثراها هذه الجامعة هي العاصمة على خلاف ما لو كانت هذه المدينة خاوية على عروشها من المؤسسات ذات السمة العربية والاسلامية بكم ونوع.

كما إن انشاء جامعة من هذا النوع على هذا الثرى المهدد بالضياع والتهويد أكبر دافع وأكبر داحض وأكبر مقاوم لفلسفة من هذا النوع على يد الاحتلال الإسرائيلي في مجال سرقة الحضارات وتزوير حقائق التاريخ.

إن المقاومة الحضارية والمقاومة العلمية في حرب من هذا النوع لهي السلاح الفتاك والسلاح المضاء الرادع في مجالات حروب من هذا القبيل. ثم إن لم تكن هذه هي المقاومة السلمية والشعبية فما هي المقاومة السلمية والشعبية حينئذ؟

تلكم لعمري بعض من رسالة جامعة القدس, وبعض من غاياتها الجليلة والعظيمة.

من هنا نقول: على أمة العرب وأمة الإسلام والدول الصديقة والدول الداعمة, ودول العالم الحر والداعمين لنا والواقفين إلى جانبنا بوجه عام أن يدركوا أهمية  وضرورة دعم هذه الجامعة بكل الوسائل المتاحة من مادية على نطاق الأموال, إلى تعزيز دور الأبحاث العلمية المشتركة, والمنح العلمية, ووسائل الإتصال والتواصل البشري إلى التبرعات بالمواد العينية التي تلزم مسار التعليم العالي في وجوهه المختلفة والتجهيز بما يلزم من الأبنية والمختبرات والتقنيات والتكنولوجيا الحديثة.

إن جامعة القدس إضافة إلى ما تقدم من رسالتها الحضارية والإنسانية والتاريخية والعلمية في مجال التصدي لكل حركات الإلتفاف على هذه المدينة المقدسة ومحاولات طمسها وطمس ما هي عليه من تاريخ وواقع ومحاولات تهويدها بكل ما أتيح للإحتلال من وسائل, إن من رسالتها كذلك الاشعاع العلمي والمعرفي على ربوع فلسطين كلها بمختلف المحافظات والمدن والبلدات ومضارب البوادي.

تقف جامعة القدس اليوم كالطود العظيم مؤدية لرسالة من أجل وأعظم ما يؤدى من رسالة في زماننا المعاصر بما يحتمه من ظروف سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية. إن المدينة المقدسة ليست مهددة في الحجر والشجر والتراث والحدود الجغرافية وحسب، كما أن سكانها ليسوا مهددين بسياسة التهجير والطرد والنفي وسحب الهويات الشخصية وحسب, بل إن المدينة المقدسة مهددة إلى جانب ذلك كله في أهلها الصامدين والمرابطين على أرضها والمنافحين عما تبقى من جسدها الذي يقضم وينهش كل يوم, فهؤلاء غرض كبير للمحتل, فأوضاعهم بائسة ومهملة, ومدارسهم تفتقر إلى الكثير من الضرورات والتحسينات في مجال البناء والتجهيز والبنى التحتية لهذه المدارس, وهناك مجال الخدمات التي تفتقر إليها الأحياء العربية في القدس الشرقية مقارنة بما هي عليه الأحياء اليهودية في القدس الغربية. وهناك ظاهرة التحلل والتفلت لدى قطاعات الشباب وتعرضهم رغم أنوفهم لبعض مجالات الإنحراف السلوكي والأخلاقي مما يشكل خطورة بالغة على السكان المقدسيين كشباب وأسر وسلوك قويم, وتوجه صوب مقاعد الدراسة. مما يشكل سلبية في حياتهم من ظاهرة تفشي الجهل والتخلف والبعد عن دروب المعرفة, مما يعني التيه والضياع لهذه الفئة الهامة جدا للمجتمع المقدسي.

فكل ذلك وسواه تهتم به جامعة القدس أكبر اهتمام و تضعه في سلم أولوياتها, وتتجه صوبه بكل قوة مستطاعة, وتعتني به العناية التي يليق, فأنشأت المراكز المجتمعية لذلك, خدمة وتوجيها وتربية ومتابعة لقضاياهم وتخص المجتمع المقدسي في الجوانب الحياتية المختلفة.

إن إدارة جامعة القدس وعلى رأسها الأستاذ الدكتور سري نسيبة تعي كل ذلك تمام الوعي وتدركه تمام الادراك, فعملت جاهدة على سد هذه الثغرات ومحاولة تلافي هذا النقص. كما أدركت هذه الإدارة الحكيمة والشجاعة منذ الوهلة الأولى جلالة رسالة الجامعة وخطورتها وأهميتها فعملت بكل جهد مستطاع على تحقيق كل ذلك, ووضعت كل إمكاناتها في سبيل أن يكون هذا الصرح على هذا النحو وبهذا الكم والكيف, وكي يكون ويستمر عصياً على التآكل أو الذوبان أو القفز عنه. كما أشادت هذه الإدارة قلعة علمية –على قلة إمكاناتها المادية- من أكبر القلاع على أرض فلسطين, وتضاهي الكثير من كبرى الجامعات في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج, كل ذلك في زمن قياسي جد قصير. فهذه عظمة الإرادة والإدارة. وهذه كياسة ونجاح المسؤول, وهذا إخلاص وعطاء من لا يخشى الفقر. فكل التحية والتقدير والإجلال لإدارة من هذا النوع.

لقد استطاعت هذه الجامعة أن تفرد بظلالها عل كل ربوع الوطن من النهر الى إلبحر, واستطاع المقدسيون أن يتفيئوا ظلالها ويتسنموا الذرى بسببها, ويستنشقوا أكسجين وعبير العلم والمعرفة من خلال رئتيها النظيفتين.

 

د. حمزة ذيب مصطفى

                                                                                                             جامعة القدس

15/ ربيع الآخر/1434هـ م /

وفق 25/3/2013م


بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة القدس رافعة كبرى ومنجز جد عظيم للمدينة المقدسة

الحلقة الثالثة

 

في هذه الحلقة سأبين عن بعض منجزات هذه الجامعة والتي هي بعمر الزهور، إذ كانت بداية إنشائها عام ثمان وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد (1978م)، وذلك بإنشاء كلية الدعوة وأصول الدين في بيت حنينا إحدى ضواحي المدينة المقدسة بقرار من وزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية في دولة الأردن الشقيق. وهذا بالطبع جاء قبل قرار فك ارتباط دولة الأردن مع الضفة الغربية. بل بقيت هذه الكلية تتبع وزارة الأوقاف الأردنية إدارياً ومالياً لغاية 31/12/1996م. حيث جاء قرار فك الإرتباط من قبل الأردن الشقيق مع هذه الكلية إضافة إلى بعض المؤسسات الأخر بناء على طلب من وزارة الأوقاف والشئون الدينية لدينا. في حين لا تزال إدارة الأوقاف الإسلامية في القدس الشريف تتبع رسمياً للمملكة الأردنية الهاشمية.

وقلنا بأن فكرة إنشاء جامعة القدس قديمة وذلك منذ عام عشرين وتسعمائة وألف للميلاد (1920م) حين أجمع قادة العالم الإسلامي آنذاك على إنشائها رداً على قرار الكيان الصهيوني آنئذ بتأسيس جامعة يهودية عام إحدى عشرة وتسعمائة وألف للميلاد (1911م) حيث أنشأت الجامعة العبرية. وقد أخذ قرار بإنشاء جامعة القدس بصورة رسمية في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس عام إحدى وثلاثين وتسعمائة وألف للميلاد (1931م).

وبعد أن أنشأت كلية الدعوة أنشأت كلية العلوم والتكنولوجيا، وكانت دولة الكويت الشقيق تقوم على نفقات هذه الكلية من الألف إلى الياء. فلهم كل الشكر والتقدير والعرفان. ثم الكلية العربية للمهن الطبية، وكلية الآداب للبنات. وكانت هذه بمبادرات فردية. وبلا شك أن هذه الكليات الأربع قد شكلت نواة جامعة القدس وتم توحيدها تحت اسم جامعة القدس سنة أربع وثمانين وتسعمائة وألف (1984م) وحازت في هذا العام على عضوية في اتحاد الجامعات العربية والذي عقد آنئذ في عاصمة الرشيد بغداد. غير أن هذه الكليات كانت تتمتع بإدارات وأنظمة وقوانين مختلفة بعضها عن بعض، إذ لكل كلية أنظمتها وقوانينها الأكاديمية والإدارية والمالية ولا يجمع هذه الكليات رابط سوى الاسم. وبقي هذا الحال لغاية خمس وتسعين وتسعمائة وألف (1995م) إذ صدر بتاريخ 16/3/1995م قانون واحد يضم شتات وشعث هذه الكليات وغدت كلها تحت نظام واحد أكاديمياً وإدارياً ومالياً. وشكل مجلس أمناء موحد لهذه الكليات بعد أن كان هناك مجلس أمناء لكل كلية على حدة.

ونستطيع القول بأن ساعة انطلاقة جامعة القدس بدأت من هنا. إذ لم يكن هناك تجديد أو إضافة أو تطوير لكليات وبرامج ومراكز دراسية وأبحاث غير ما كان منذ الإنشاء ولغاية 1995م. وقبل هذا التاريخ لم يكن العدد يتجاوز الألف وخمسمائة (1500) طالب وطالبة في الكليات الأربع مجتمعة. ونستطيع القول بأن هذا التجمع قبل التاريخ آنف الذكر في الخمس والتسعين كان جسداً ضامراً وبلا روح أيضاً حتى بدأ هذا الجسم ينتعش شيئاً فشيئاً ويعظم حجمه وترد إليه عافيته وسرت فيه الروح المحيية للموات بإذن الله. وأنا هنا أقول كلمة لله سبحانه ثم للتاريخ ولا أرجو منها شيئاً سوى الصدق مع الله سبحانه ثم شكر من يستحق الشكر انطلاقاً من قوله صلوات الله عليه "من لا يشكر الناس لا يشكر الله". أنا أسجل شكري هنا لكل العاملين في هذه الجامعة من أساتذة وإداريين في تلك المرحلة الصعبة والسنين العجاف ولغاية اللحظة على جهدهم وإخلاصهم الكبير في بناء هذا الصرح العلمي الضخم، وعلى رأس كل أولئك وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور سري نسيبة رئيس الجامعة, حيث أنا واقف وشاهد منذ الوهلة واللحظة الأولى لهذا الميلاد العسر جداً لكنه السار جداً في الوقت ذاته. وأنا هنا لن أدخل في شأن من هذا القبيل ولن أعرج على تفاصيل أو جزيئات لأن الموضوع والتفاصيل هنا جد\ كبيرة وكثيرة ومتشعبة وأنا بصدد مقالة يسيرة، ثم أنا هنا تهمني النتائج لأن الأمور بخواتيمها ومآلاتها. فإذا كانت النتائج عظيمة وجليلة كانت دالة على مقدماتها الشجاعة والسليمة والحكيمة، وإذا كانت النتائج هزيلة وضحلة وغير معبرة بحجمها عن المراحل السابقة كانت دالة على فشل أو ضعف المسارات السابقة. فكما يقال في المثل الدارج "المكتوب يقرأ من عنوانه" فجامعة القدس لولا ما عند الإدارة من الشجاعة والرؤية الثاقبة والحكمة في التعامل وحسن التصرف وقبل ذلك وبعده الإخلاص في العمل والإخلاص للمؤسسة لما كانت جامعة القدس بما هي عليه الآن من التطور الكبير، والتقدم السريع، والتميز في كثير من الجوانب، والإنجاز العظيم للكليات والبرامج والمراكز الدراسية والبحثية وبرامج الدراسات العليا والتي تصل إلى ما يزيد عن ثلاثين برنامج. كل ذلك في زمن قياسي قصير جداً مقارنة بعمر الجامعات التي مضى على تأسيسها عشرات السنين ولا تتميز عن هذه الجامعة بشيء يذكر، بل جامعة القدس تفوق الكثير من الجامعات ذات العمر الطويل والمال الوفير، وأنا واقف ومطلع على هذه الجوانب بحكم علاقاتي الكثيرة واطلاعاتي المتنوعة والمتعددة وسفراتي الكثيرة جداً إلى دول جامعات العالم الإسلامي وحضور العديد من المؤتمرات العلمية ومشاركاتي فيها بأبحاث وأوراق عمل.

كل ذلك وجامعة القدس تعاني من نضوب مالي كبير، وقلة في الدعم من الأشقاء والدول الصديقة.

وإطلالة سريعة على بعض منجزات هذه الجامعة تنبيك عن مدى حجم الرسالة التي تضطلع بها، وتشير وتدل على مدى التقدم والتطور الذي فيها منذ سبعة عشر عاماً وحسب.

1-     الطلبة

بلغ عدد الطلبة الملتحقين بالجامعة لغاية اللحظة ما يزيد عن اثني عشر ألف طالب وطالبة وهذا يشمل البكالوريوس والدبلوم العالي والماجستير. في حين كان عدد الطلبة سنة خمس وتسعين وتسعمائة وألف (1995م) تسعاً وثمانين وستمائة وألف (1689) طالباً وطالبة فقط.

وبالمناسبة فإن أكثر ما نسبته 40% من الطلبة الملتحقين ببرامج الماجستير في فلسطين هم من منسوبي جامعة القدس.

2-     الكليات

كما أسلفنا كانت تحوي الجامعة لغاية 1995م أربع كليات فقط بأعداد يسيرة جداً من الطلبة في حين إن الجامعة اليوم تحوي خمس عشرة كلية من أحسن وأجود التخصصات وهي كما يلي:

كلية الدعوة وأصول الدين، كلية العلوم والتكنولوجيا، كلية الآداب، وهذه منها ما هو للإناث فقط هي هند الحسيني، ومنها ما هو للجنسين، كلية المهن الصحية، كلية الحقوق، كلية القرآن والدراسات الإسلامية، كلية الطب، كلية طب الأسنان، كلية الصحة العامة، كلية الهندسة، كلية الإقتصاد والإدارة، كلية الصيدلة، كلية العلوم التربوية، كلية الدراسات العليا، كلية القدس – بارد للعلوم والآداب.

3-     المراكز والمعاهد

أما ما يخص المراكز والمعاهد فإن خدمتها المهنية متنوعة وتعالج أموراً في المجتمع الفلسطيني وتقوم على شئون عدة ما يهم مجتمعنا المحلي، بل وغير المحلي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

مجالات الصحة العامة وصحة المجتمع، مع اهتمام خاص بالأطفال والطفولة الجيدة، إضافة إلى تطوير قدرات العاملين في المجال الصحي، وخدمة المقدسيين في الدفاع عن حقوقهم المدنية والإجتماعية كأحد مهام مركز العمل المجتمعي في البلدة القديمة، والتعاون مع المؤسسات الإقتصادية والمالية وتقديم الإستشارات في هذا المجال. كما تقوم بعض المراكز بإجراء الفحوص المخبرية للتأكد من جودة المنتوجات الغذائية والدوائية أو تحاليل المياه والتربة، إضافة إلى القيام بالعديد من الأنشطة في مجال تطوير القدرات التربوية والتعليمية للمعلمين في مدينة القدس تحديداً وبعض مدن الضفة الغربية لتتواءم مع استراتيجية تطوير التعليم في فلسطين. أما عدد هذه المراكز والمعاهد فتبلغ ثماني مركز ومعهد، وهي:

المعهد العالي للآثار، معهد الإقتصاد والإدارة، معهد الإعلام العصري، معهد الدراسات الإقليمية، معهد الطفل، معهد القدس للأبحاث الصحية والتغذية، معهد الطب العدلي، معهد التنمية المستدامة.

أما المراكز فهي كثيرة إذ تبلغ واحداً وعشرين (21) مركزاً، وهي على النحو الاتي:

مركز البحوث الطبية، مركز عصام السرطاوي لدراسات السلام، مركز الأبحاث الإسلامية، مركز تعليم العلوم، مركز التحاليل الكيمائية والبيولوجية، مركز التنمية في الرعاية الأولية، مركز مصادر اللغات الأجنبية، مركز العمل المجتمعي، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والقانون الدولي والإنساني، مركز أبو جهاد لشئون الحركة الأسيرة، مركز التعليم والتعلم، مركز إنسان لدراسات الجندر، مركز سعيد خوري لتكنولوجيا المعلومات، مركز الصدمات النفسية، مركز التدريب والإستشارات الإستشارية، مركز بحوث الأيض والأمراض الوراثية، مركز الترقيم المعياري الدولي، مركز الدراسات المتعدد المجالات، الأرض والإنسان، مركز علوم وتكنولوجيا الإشعاع.

4-     البحث العلمي

رغم شح الموارد فقد تبنت جامعة القدس سياسة رعاية ودعم البحث العلمي وتشجيع الهيئة التدريسية في الجامعة لانجاز الأبحاث العلمية الهادفة والتطبيقية المعاصرة وذات الفائدة المجتمعية. كما تبنت إنشاء الكراسي العلمية الوقفية في تخصصات أكاديمية وبحثية مختارة. الأمر الذي سيعطي الجامعة الفرصة لتأسيس عدد أكبر من من الكراسي الأكاديمية الهامة وفي بيت المقدس على وجه الخصوص. كما سيدعم هذا التوجه مسيرتها في تطوير البنية التحتية من مكتبات ومختبرات بحثية ومجلات علمية، وتجهيز المرافق المختلفة من مكتبات ومختبرات بحثية ومجلات علمية، وتجهيز المرافق المختلفة للبحث العلمي كما في مجال النانو تكنولوجي، والأحياء البحرية (الأسماك) وأبحاث علاج سرطان القولون، ودعم برامج تطوير أعضاء الهيئة التدريسية والباحثين، ومن هذه الكراسي:

1-     كرسي ياسمين للآثار.

2-     كرسي اليونسكو لحرية التعبير عن الرأي.

3-     كرسي الإمام الغزالي بوقفية من جلالة الملك عبد الله الثاني لدعم القدس وجامعتها ومتعلقات البحث العلمي في هذا الجانب.

كما أنشأت الجامعة المراكز البحثية التخصصية في التخصصات التي تسارع التقدم في مجالها كالصحة، والبيئة، والصناعة، وصعوبات التعلم، والدواء والغذاء.

أما في الجانب التعليمي اللامنهجي فتنفرد جامعة القدس بتأسيس متحف للرياضيات هو المتحف الأول من نوعه في العالم العربي، ومتحف العلوم، ويعد المتحف الخامس في العالم العربي. وكلا المتحفين هما نواة لمركز العلوم الذي تسعى الجامعة لإنشائه ليشمل تقديم خدمات تعليمية متعددة في استكشاف العلوم.

 

د. حمزة ذيب مصطفى

جامعة القدس

23ربيع الآخر/ 1434هـ -

وفق 5/3/2013م

 


بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة القدس رافعة كبرى ومنجز جد عظيم للمدينة المقدسة

الحلقة الرابعة

سأحاول في هذه الحلقة أن أجمل بعضاً مما لهذه الجامعة الفتية من قدرات وإنجازات وطموحات، حيث من غير الممكن أن آتي على كل شيء من هذه الإنجازات في سياق المقالة، إذ هذا الأمر يحتاج إلى كتاب كبير حتى يستطيع الباحث أن يعطيه حقه، ويأتي على ذكر كل ما هو لازم في هذا السياق مما صنعته هذه الجامعة وحققته في غضون فترة زمنية قياسية مقارنة بعمر الجامعات والمعاهد العلمية العالية.

ونحن إذ نكتب عن هذه الجامعة الناهضة المتميزة –رغم قصر زمن بنائها- لنقول بأن هذا الصرح العلمي الكبير لهو مكسب عظيم للشعب الفلسطيني عامة وللقدس الشريف خاصة. ولربما يصلح أن نستخدم هنا المثل السائر "لأن تضيء شمعة خير لك من أن تلعن الظلام" فنحن لا نريد أن نبقى في دوائر اللوم والعتاب، أو دوائر التسخط على الإحتلال، ولا نريد أن نذم الظروف والأزمنة، ولا يصح أن نبقى محملين المسئولية في عدم تصحيح مساراتنا المتعددة للآخرين سواء أكانوا عرباً أم عجماً، وسواء أكانوا أصدقاء أم أعداء، محبين لنا أم كارهين. فالعمل الجاد والإخلاص فيه يغني عن كل قول. فالأقوال إن جردت من الأفعال والأعمال تبقى في دائرة الأمنيات وفي دوائر "لو" أو دوائر "يا ليت" وهذه دوائر لا تسمن ولا تغني من جوع. ومن هنا نعى الله تبارك وتعالى على القوالين دون أن يصاحب قولهم فعل فقال جل شأنه "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". إن الإنسان الناجح هو الذي يفعل أكثر مما يقول، أو هو الذي يقرن العمل بالقول مصداقاً لقوله تعالى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات". والإنسان الذي يفعل دون أن يتكلم تحكم عليه بالنجاح من خلال فعله النافع والصالح. أما الذي يتكلم دون أن يفعل فهذا هو الذي ينعته الناس بالفاشل والثرثار، ويستثنى من ذلك من كانت صنعته ومهنته الكلام حتى لا نظلم أحداً أو نستثني ناجحاً. وقد يقول قائل: ها أنت تقول: صنعته ومهنته الكلام. إذن أحياناً يكون الكلام صنعة ومهنة مطلوبة، سيما إذا كان في مربعات الصدق والوصف الصحيح. ولكن بشكل عام فإن الحياة لتحتاج إلى عمل وفعل وجد ومثابرة أكثر بكثير من حاجتها إلى الكلام، ومن هنا مدح البعض الصمت وفضلوه على بعض مفاصل أو مواقع الكلام، فقال الشاعر:

العقل زين والسكوت سلامة               فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً

          ما إن ندمت على سكوتي مرة             ولقد ندمت على الكلام مراراً

وقال صلوات الله عليه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

ألا وإن مدينة القدس الشريف لتحتاج إلى عمل جاد وفعل مخلص أكثر من حاجتها إلى الكلام، والذي قد لا يغني ولا يسمن من جوع. وحال القدس يقول:

تداركونا وفي أغصاننا رمق               فلن يعود اخصرار العود إن يبسا

كأن حال هذه المدينة الحزينة يقول: خلص حياتي أولاً ثم دع الملامة في الأخير".

كم سمعت القدس من أصوات هدرت، وحناجر بحت، وأقوال بليغة نسقت!

كم سمعت القدس من وعودات وزمجرات، وكم سمعت من يستغيث لها ويرغي ويزيد لأجلها! وهذا كله مطلوب بل هذا أقل الواجب تجاهها. غير أن كل ذلك ما أغنى عن حالها شيئاً. إلا أن الفعل فيها من سكنى ومرابطة، أو إعمار وإنشاء مؤسسات، أو إبقاء على دماء تجري في عروقها لهو الذي يسعفها في وقتنا الحاضر، وهو الذي يبقي عليها حية نشطة، وهو الذي يجعلها قوية في ميدان السبق مع الإحتلال. فبناء حجر فيها خير من ألف كلمة، ورباط يوم فيها خبر من ألف خطبة، وإعمار مؤسسة فيها خير من خمسين مؤتمر لا تسفر عن شيء تجاه القدس. وماذا عسى تنفعها المؤتمرات؟ ألم يعقد مؤتمر القمة العربي في مدينة سرت الليبية وقرر لها خمسمائة مليون (نصف مليار) دولار؟ كم وصل منها للقدس؟ وكم كان حصة أكبر مؤسسة عربية وإسلامية فيها؟ ما يؤخذ في المؤتمرات من قرارات تجاه القدس ما هو إلا حبر على ورق، وتبقى هذه القرارات رهينة الأوراق والأدراج. أما إنشاء مؤسسة عربية وإسلامية في القدس هو الذي يلبسها وجه العروبة والإسلام، وهو الذي يكسوها ثوب الستر من وجه وعيون المحتل.

إن جامعة القدس من أعظم وأجل ما أنشىء في هذه المدينة المقدسة بعد المؤسسة الوقفية فيها. هذه الجامعة العظيمة تئن تحت وطأة اقتصادية خانقة والمال العربي ينفق يمينة ويسرة، هذه الجامعة الجليلة تنادي بتألم بأعلى صوتها من الخطر والضائقة المالية التي تعصف بها والمال العربي قد أتخم مصارف وبنوك الغرب. هذه الجامعة الرافدة لبيت المقدس خاصة وفلسطين عامة يعاني منسوبوها من مدرسين وموظفين إداريين وسواهم من عجز شديد في مجال انسياب رواتبهم الشهرية أو مكافآت نهاية خدمتهم أو صناديق التوفير العائدة لهذه الفئة العاملة الصامدة المخلصة. هذه الجامعة التي تترنح يمنة ويسرة لا تقوى على الإنفاق على أهم الأشياء وأكثرها إلحاحاً في مسيرتها التعليمية، والمليارات من الدولارات لدى العرب تنفق على تسليح عسكري لا يسر صديقاً ولا يصد عدواً. تهدر هذه الأموال العربية التي يصعب حصرها وعدها على ترسانات عسكرية يعلوها الصدأ ثم ترحل إلى الصحراء لتعبث بها عوادي المفازات والرمال ورياح السموم بعد مدة فتحيلها إلى أكوام من حديد يعود ثانية إلى تراب وجامعة القدس في أحضان هذه المدينة تكاد تلفظ أنفاسها من العسرة المالية التي تمر بها ولا منقذ ولا مجيب. أي قدس نتحدث عنها؟ أي مدينة مقدسة نذرف عليها دموع التماسيح؟ أي بلد مقدس ندعي حبه ونصرته! أية مؤسسات مقدسية ندعي رعايتها والسهر عليها. كفانا سخرية واستهزاء بالعقول الناضجة والنفوس المؤمنة والأفئدة اليقظة. على من نضحك على الله أم على أنفسنا؟ لنقف مع أنفسنا وقفة المصارحة لنقف مع أمتنا وقفة جدية حازمة، لنقف مع القدس ومؤسسات القدس وقفة الصدق ووقفة الوفاء. لندرأ عن أنفسنا غائلة القدر الحق ولعنة التاريخ الأبدية. يا قوم: هذه أمانة نضعها في أعناقكم وستسألون عنها يوم القيامة. ستسألون عنها في يوم لا ينفع فيه ملك ولا سلطان ولا مال.

بعد هذه الإنسيابة والإستطرادة التي جرت كالسيل على رأس القلم نعود ثانية لنذكر بعضاً من الإنجازات لجامعة القدس في مجال العلاقات الدولية القائمة على أسس البحث العلمي والشأن الأكاديمي. إذ نسجت الجامعة على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية –ولا تزال- علاقات أكاديمية وبحثية متميزة ساهمت في أن تشغل حيزاً منافساً على المستوى الدولي.

علاقات دولية 

نسجت الجامعة على مدى السنوات الماضية، وما تزال، علاقات أكاديمية وبحثية متميزة ساهمت في أن تشغل حيزاً منافسا على المستوى الدولي برزت خلاله بأبحاثها ودراساتها وانفتاحها على العالم، وانخراطها به من خلال برامج عديدة شهدت تبادل العلم والمعرفة في الطب، وطب الأسنان، والصحة العامة، وصحة الأم، والطفل، والنانوتكنولوجي، وتكنولوجيا المعلومات، والمياه والبيئة، والزراعة، والغذاء، والتصنيع الغذائي، وأبحاث التخلص من الفضلات بأنواعها.

وترتبط جامعة القدس بما يزيد عن سبعين جامعة ومؤسسة علمية دولية بوثاق التعاون الذي أثمر عددا من البحوث العلمية واستثمار الباحثين من كلا الطرفين وتبادل الأساتذة والطلبة، واستحداث البرامج المشتركة. نذكر منها الجامعات الألمانية: Humboldt في مجال علاج اللشمانيا (إحدى الأمراض الجلدية)، Potsdam في النباتات الفلسطينية المهددة، Frie  بحوث الكيمياء المحوسبة، Hohenheim بحوث الزراعة السميكة، Kiel بحوث تغذية النباتات، Bremen حول الأحياء المائية وغيرها من الجامعات الألمانية مثل  Gottingen، Berlin. والجامعات الإيطالية مثل جامعة Ferrara، جامعة Trento ، جامعة روما. كما أن هناك العديد من العلاقات مع الجامعات الفرنسية مثل جامعة Paris 6، جامعة Paris 7، جامعة لاروشيل، جامعة بوردو و جامعة 13Paris . وعلاقات أكاديمية دولية مع جامعات نرويجية، وجامعات كندية منها Western Ontario، York، McGill، وجامعات أمريكية نذكر منها جامعة هارفارد، وبرندايز، وبارد، ومؤسسات أمريكية نذكر منها Usaid، AED، FORD، Open Society Institute (OSI)، ANERA، إضافة الى علاقات مع UNESCO. وتنشر الجامعة سنوياً أعلى معدل من إنتاج الدول العربية من البحوث العلمية المحكمه عالمياً، دالة بذلك على اهتمام الجامعة بالبحث العلمي والإنتاج المعرفي للإسهام في التطور العلمي العالمي وتبرز المنشورات العلمية المحكمة من الجامعة في مجالات العلوم التطبيقية والعلوم الصيدلانية والصحة العامة والتصنيع الغذائي.

 والجامعة رائدة في مجال الشراكات في البرامج الأكاديمية كما في حال  العديد من الجامعات الأوروبية من خلال البرامج الممولة من الاتحاد الأوروبي ومنها TEMPUS، Erasmus Mundus، 7th Framework ومن خلال هذه المشاريع يتم تبادل الطلاب والأساتذة من وإلى أوروبا وجامعة القدس، إضافة للقيام بالبحوث العلمية، وتطوير برامج أكاديمية جديدة لمرحلتي البكالوريوس والماجستير، إضافة إلى إيفاد الطلاب للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات الأوروبية.

وفي مجال الإبتعاث فقد استثمرت الجامعة بالعنصر البشري كأهم استثمار بحيث أوفد ما يقارب مائة مبتعث إلى ما يزيد عن عشرين دولة حول العالم في تخصصات متعددة تلبي احتياجات المجتمع الفلسطيني للسنوات القادمة لدراسة للماجستير والدكتوراة.

كما و تتمتع الجامعة بعضويتها في اتحاد الجامعات العربية، و اتحاد جامعات العالم الإسلامي في الرباط، و رابطة الجامعات الإسلامية في القاهرة، كعضو في الهيئة العامة.

كما تتمتع الجامعة بعضوية المجلس التنفيذي لاتحاد جامعات الإسلامي و هي الجامعة الفلسطينية الوحيدة في هذا المجلس. كما أنها أيضاً الجامعة الفلسطينية الوحيدة كعضو في المجلس التنفيذي لرابطة الجامعات الاسلامية. و هذان المجلسان لا تزيد أعضاؤه في المجلس الواحد عن أربعة عشر جامعة، من أصل مئات الجامعات في الهيئة العامة.

ومما لا شك أن هذا غيض من فيض. وإلى الأمام يا جامعة العاصمة والدولة والمدينة الأم.

 

د. حمزة ذيب مصطفى

جامعة القدس

22/ربيع الآخر/1434هـ - وفق 4/3/2013م


بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة القدس رافعة كبرى ومنجز جد عظيم للمدينة المقدسة

الحلقة الخامسة والأخيرة

 

في هذا اللقاء أختم ما بدأت به من حلقات عدة جاءت تباعاً تتحدث عن إنجاز غاية في الروعة على الثرى الطهور في المدينة العتيقة، ومستحدث كان لا بد منه في جنبات المسجد الأقصى حاضن العلم والعلماء وكعبة القصاد من الباحثين والمفكرين طيلة زمانه وتاريخه. فالجامعة ليست بدعاً، بل هي الشيء الطبيعي والبدهي أن يكون هذا الصرح في مدينة القدس على هيئة وصورة عصرية تنشأ وفق متطلبات ومناخات العصر الذي نعيشه ونحياه.

وأعتقد أن الإمام الفيلسوف وعبقري الإصلاح والتربية واضع كتاب إحياء علوم الدين في أروقة المسجد المبارك لو قدر له أن يزور القدس ويطوف في جنبات جامعتها ويدخلها كلية كلية ويعرف –بفتح الراء المشددة- برنامجاً برنامجاً فيجد فيها الأصالة والمعاصرة، ويجد فيها كلية الدعوة وكلية الطب، وكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية وكلية العلوم والتكنولوجيا، واطلع على حصة الأسد من كلية الآداب في جانب اللغة العربية لغة القرآن الكريم ورأى كلية طب الأسنان وتكنولوجيا المعلومات وغيرها من الكليات الأكاديمية والعلمية لأدهشه وهاله ما رأى. وفي تقديري لكان قد وضع بصمته وتوقيعه إيذاناً بالسرور والإعجاب بما رأى وشاهد وسمع.

عذراً أيها الفيلسوف عبقري الإصلاح والرائد في علم التربية والتقويم قد لا نستطيع أن نرتقي إلى ما ارتقيت إليه، ولربما نحن في حالة علمية هي دون الحالة الكبرى التي أنت عليها، لربما لا نستطيع أن نحلق ونعبر الأجواء والمناخات التي قد حلقت فيها وعبرتها. لكن عذرنا أننا نحاول كل ذلك، وكما يقال فإن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. وهنا تكمن العبقرية أيضاً، إنها تكمن في البدأ والخلق والإبداع والتكوين. وأن يأتي الإنسان بما لم يأت به أنداده وأقرانه.

وإني وإن كنت الأخير زمانه              لآت بما لم تستطعه الأوائل

عذرنا أيها العلامة الأجل أننا قد وضعنا أقدامنا على طريق الجادة ونحن نسير بل نغد الخطى نحو الغاية والهدف التي تصبوا ونصبوا إليها جميعاً.

وكأني بالإمام العبقري يقول: إمضوا على بركة الله. وعليكم أن تعلموا أنكم قد وضعتم نصب أعينكم أمراً غاية في الأهمية وشأنا من الصعوبة بمكان، وحملتم رسالة الأنبياء والأصفياء، ودفعتم بقاربكم الصغير إلى الأمواج العاتية، وخضتم بشراع خفيف تجدفون به عكس تيارات مخيفة جارفة، وأراكم أنكم بهذه الجاهزية البسيطة جداً تودون عبر عباب البحار، وتقطعون بها عرض المحيط الثائر.

غير أنني أراكم أصحاب إرادات شامخة وتتمتعون بصلابة كالفولاذ، وعزيمة تنهد دونها الجبال. وعندكم القناة التي لا تلين، يصدق عليكم قول الشاعر:

          لا لن ألين لغير الحق أسأله               حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

أرى بصيرتكم نافذة كأحد –بفتح الهمزة وتشديد الدال المفتوحة- من نظر الطير. ولكن عليكم أن تعلموا أنكم ستواجهون معارك ضارية مع بني جلدتكم، ولن تجدوا لدي كل الناس ما أنتم عليه من عزيمة ومضاء، ولا تتوقعوا أبداً أن الناس جميعاً يحلمون فيما تحلمون فيه، وغارقون في المبادىء حتى الآذان كما أنكم غرقى في مثلكم ومبادئكم، وستجدون من الناس من لا يقف إلى جانب حقكم المشروع ومشروعكم الأممي (1) الكبير.

نفاداً من الصبر، وعدم التماس للعذر، وتعجل في الأمر، واستعجال في محاولات قطف الثمر، واضمحلال في رؤية المنظار الذي ينظرون من خلاله.

ومن هنا يتوجب عليكم أن تتحلوا بعزيمة الصبر، وهذا ما أكده رب العزة على رسول الله محمد وعلى أنبيائه ومرسليه صلوات الله عليهم جميعاً فقال سبحانه: "واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل". "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين".

ونقول للإمام الحبر والمربي الكامل: رحمك الله يا سيداً من العلماء وخيرة من الأولياء، وكريماً من النجباء. لقد صدقت رؤيتك، وحل بنا ما كنت تقوله وتتوقعه، وها نحن في لجج المحيط وعرض البحر. غير أننا بإذن الله وبفضله صابرون محتسبون مقبلون غير مدبرين، هادون مهتدون، غير ضالين ولا مضلين.

نستطيع القول بأننا قد تمسكنا بالعروة الوثقى، وأسلمنا وجهنا  لله رب العالمين. قد سلكنا درب أسلافنا الأول من العلماء والمفكرين والمجددين، أسسنا للسير في ركب حضارات الأمم والشعوب الناهضة والمتقدمة، أخذنا بأهداب التطور والتقدم، نسير قدماً نحو الصلاح والأصلح والحسن والأحسن والقويم والأقوم.

عذرنا أننا جادون في هذا السبيل، ماضون فيه رغم التحديات الجسام، والمعوقات المشرعة كالحسام، والمثبطات التي تبرز إلينا في أثواب الحمام –بكسر الحاء- لقد عرفنا أن ذلك باب عظيم من أبواب الصبر، ومسلك لا يطاوم لكنه يوصلك إلى القمة الشماء، إنه السبيل إلى العظمة والنجاة، عظمة في الدنيا ونجاة في الآخرة، إنه عمل أعظم من الجبال يسير في دروب العلم الذي ينتفع به بعد الموات وفوات الهفوات.

يا قوم:

الناس صنفان:

موتى في حياتهم                  وآخرون ببطن الأرض أحياء

وكما قال ذاك الحكيم:

ليس من مات فاستراح بميت                      إنما الميت ميت الأحياء

ولأن تكون حياً وأنت مع الأموات خير من أن تكون ميتاً وأنت مع الأحياء.

لا تكن بدا ممن قيل فيهم:

          وظل يقدح طول الليل فكرته              وفسر الماء بعد الجهد بالماء

لا تكن من اللواميين ولا من القواليين، بل كن من العاملين المخلصين.

إن الجائع لا يحتاج إلى خطب رنانة بل حاجته إلى ما هو أبسط من ذلك بكثير ويسد ذلك رمقه ويكفيه عوزه إنه محتاج إلى رغيف من الخبز. إن الظامىء لا يحتاج إلى فصيح البيان أو بلاغة سحبان وائل، إن حاجته تتمثل فيما ينقذ حياته ويأخذ بيده من ركام الموت إن حاجته تتمثل في كأس من الماء وهذا خير له مما في الأرض جميعاً.

وكذلك شأن القدس حاجتها إلى طوبة عربية إسلامية فيها وهذه الطوبة خير لها من معسول القول مفرغ من العمل، العمل في هذه المدينة المهددة بلا قول خير من القول فيها بلا عمل. طوبى لمن وضع لبنة في بناء القدس الكبير، طوبى لمن غرس فيها مواطناً عربياً ومواطناً مسلماً، طوبى لمن تخندق في إحدى خنادقها، وسكن في أحد أزقتها ورضي أن يكون مرابطاً في إحدى حاراتها. فكيف بمن يقيم فيها طوداً شامخاً عظيماً لا يبلى مع الأيام ولا يفنى مع الشهور، ولا يهرم ولا يشب مع السنين؟

لا يسعنا يا إدارة جامعة القدس إلا أن نقول لك: إلى الأمام قدماً وإياك أن يثني عزيمتك أحد، أو تصغي إلى لائم أو عاتب، إياك ثم إياك أن يفت في عضدك فات –بتشديد التاء-، أو يتسلل إلى فؤادك قول لات –بتشديد التاء- حذار أن تحبطي أو تستكيني، فلا شك أن العقبة كؤود، والعمل الناجح والمسدد مضني ومنهك. لكن لذة النجاح ونشوة النصر أعظم آثاراً أو أكبر نتائج من آلام العمل. كما أن الألم في نفس أو بعض أنفس غير أن عظمة آثار ونتائج النجاح هي لشعب كامل. بل الأمة. ألم العمل مرحلة وعمر واحد لكن آثاره ونتائجه على مدار السنين والأيام. "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

لقد صنعت يا إدارة الجامعة على أرض القدس الشريف ما تمنته أمة بأكملها عبر مراحل كثيرة من تاريخها الحديث. فإذا كنا كعاملين نعاني بعض المعاناة من عدم انتظام في الراتب فيقض ذلك مضجعنا ويعكر صفونا. فإن عدم إنجاز الجامعة معاناة أكبر بكثير وعلى الدوام لقدسنا الحبيب ويعكر صفو أمة ويقض مضجعها من حدود إسبانيا في الغرب إلى حدود وأطراف الصين في الشرق. إن إنشاء الجامعات ليحتاج إلى مئات الملايين من الدنانير والدولارات، غير أن جامعة عظيمة أنجزت على أرض القدس بدارهم معدودة وكنا فيها من الزاهدين.

ونقول في الختام: فقد لا يرى بعض منسوبي هذه الجامعة عظمتها وما هي عليه من ثوب قشيب جميل وقدر جليل بين الأوساط الجامعية المتعددة من المحيط إلى الخليج فهذا ليس غريباً فإن الإنسان لا يرى ذاته، بل لا بد لآخر أن يراه أو مرآة تعكس صورته وهيئته، وكذلك هي جامعة القدس. لننظر ماذا يقول الآخرون فيها.

د. حمزة ذيب مصطفى

جامعة القدس

10/ جمادي الآخرة/ 1434هـ -

وفق 20/4/2013م

(1) نسبة إلى الأمة الإسلامية.

 

 2

       
   

 

 

 


 

Google

 



 
     
   
   
     

Powered by