تقديم وتعريف : مسيرة خمسين عاماً

 

يعيدني هذا الموقف قرابة نصف قرن من الزمن حين أنعقد المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس في مدينة الإسراء حيث تداعى نفر صالح من أبناء الأمة من أطراف المعمورة يتكلمون لغات مختلفة ، ويلبسون أزياء متباينة ، ولكل اجتهاده في شؤون بلاده وشؤون المسلمين ، لكن تشدهم رابطة واحدة هي رابطة الإيمان بالله ، ومستقبل الأمة ، والوفاء للبقعة التي يَمّمها سيد الأنبياء وربطت الأرض بالسماء ، وخفقت لها قلوب الفئة المؤمنة حين تحرك بها وميض الإيمان ، واتجهت نحو الخالق ، وقد يصعب علي في هذه العجالة أن أعدد بها الذين حضروا ذلك المؤتمر في بداية الخمسينات ؛ وإن كنت أعتقد أن من حق الجيل الحاضر أن يعرفهم واحدا واحدا ، وسيظل من واجب أجهزة المؤتمر الراهنة أن تعرف بهذا الرعيل ، وان تقدر له مبادرته وخصوصا أنها جاءت مباشرة في ظلمات الهزيمة ، حين كان غيرهم يبتلع الدموع ، ويطلق الأنين ، ويعبر عن الاستسلام ، ولكأني أنظر الآن من وراء أمواج الزمن فأرى بعض تلك الوجوه السمحة من الأحياء مد الله في عمرهم ، أو الأموات تغمدهم الله بالرحمات ، فأرى صالح حرب وسيد قطب وسعيد رمضان من مصر ، ومصطفى السباعي وعلي الطنطاوي من سوريا ، ومحمد عبد الرحمن خليفة ، وعبد اللطيف أبو قورة من الأردن، وأمجد الزهاوي ومحمد محمود الصواف من العراق ، ومحمد ناصر من إندونيسيا، وخليل الكامرائي وثواب صفوي من إيران ، وصادق المجدوي وابنه هارون من أفغانستان، والمودودي وظفرالأنصاري من باكستان ، وأبو الحسن الندوي من الهند ، وعبد الله غوشة وعبد الحميد السائح ، ومشهور الضامن من فلسطين ، والقاضي الأرياني من اليمن ، وعلال الفاسي من المغرب ، والفضيل الورتاني من الجزائر ، ومحي الدين القليبي من تونس ، وغيرهم من بلاد الله الكثيرة الذين يعتز الانسان ويفخر بزمالتهم ويقول الشاعر :

أولئك اخواني فجئني بمثلهم اذا جمعتنا يا جرير المجامع

ولولا أن تطول القائمة لذكرتهم جميعا . كانوا يختلفون في أمور كثيرة من شؤون الحياة ، ولكن تجمعهم محبة بيت المقدس ، والولاء لتاريخها ومكانتها في العقيدة الإسلامية والإكبار لأجيال المجاهدين والعلماء الذين سقطوا حول أسوارها ، أو كتبوا في مساجدها وتحت قبابها عبر أجيال كثيرة ، وعبروا عن هذا الحب وهذا الولاء باللقاء على أرضها ، والدعوة لإنقاذها ، وتذكير المسلمين بواجبهم حيالها ، فكانت الدعوة للمؤتمر والتلبية السريعة له . ولم يكن الحاضرون مجرد أفراد على علو شأنهم ، وسمو مكانتهم ، ولكنهم كانوا يحملون معهم ضمائر شعوبهم ، وعزائمها ، جاءوا يلقونها في كلمات دوت في ساحات الأقصى وعلى حدود التماس مع العدو الغاصب في نابلس ، وطولكرم ، والخليل ، وفي لقاءاتهم التاريخية مع جنود الجيش العربي البواسل ، ورجال الحرس الوطني ، وابناء الشعب الفلسطيني.

ولم يكن رجال المؤتمر الأوائل من السطحية أو البساطة أن بوسعهم تحرير فلسطين وإنقاذ مسرى الرسول ومعراجه بإمكانات هذا المؤتمر ووسائله، لأنهم كانوا يدركون أن الأمة لا تزال تترنح في أزمة كبيرة صنعتها عوامل كثيرة ، أهمها التآمر الدولي الذي احتضن المغامرة الصهيونية من بدايتها ، ووجد فيها ضالته المنشودة لتصفية الحسابات وإجهاض حركة الحياة في أمة الإسلام . كان رجال المؤتمر يدركون كل ذلك ويدركون معه أنهم أمام مرحلة انتكاس تاريخية كتلك التي عصفت بالأمة في الحروب الصليبية أو هجمات المغول ولا بد أن تأخذ وقتها وتستنفد وقودها قبل أن تقذف الأمة للمعركة كل رصيدها من الإيمان والثبات ، وتقف على الأرض الصلبة ، لكن رسالة المؤتمر – بنظرهم – هي أن يُبقي جذوة الإيمان ، وبشائر الأمل ، وأن يجمع كلمة الأمة ، لاسيما الشباب ، على هذا الأمل ، كانوا يدركون أن الأمة ستبقى منتصرة ، طالما رفضت الهزيمة وأصرت على الحق ، لكنها تهزم إذا قبلت الهزيمة واستسلمت لها . وكانت دعوتهم أشبه بالبذور التي يضعها الزارع في تربة مواتية ، ويتعهدها بالرعاية ، حتى تعمل الطبيعة عملها ، فينمو الشجر وتدنو الثمار . كان جهدهم هو إشاعة الكلمة الطيبة التي عناها القرآن الكريم " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها".

إن قدر بيت المقدس في تاريخ أمتنا أن تكون الضحية والمنقذ معا ، أن تكون نهاية الانحدار وبداية الصمود في وقت واحد ،بمعنى آخر أن تكون النقطة التي يخلي الظلام الساحة للفجر الجديد . لكأنها الموقع الذي تلتقي فيه أعصاب الأمة الإسلامية ، وتمر منه شرايين حياتها ، فإذا وقعت اضطرب الكيان كله ، واهتزت فيه عوامل الرفض والمقاومة ، ولا يزال كذلك حتى تنبعث فيه نسمات القوة وتتحد فيه عوامل البقاء ، والسعيد السعيد حقا هو الذي يركب الموجة ويشارك في مسيرة البعث المحتوم ، ويلقى الله وقد أسهم بما يستطيع في إعادة الترميم والبناء . وقصارى ما يريده المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس ، وهو أن يتعرف على العناصر الحية في الأمة ، وان ينميها ، ويضع لها أهدافا تعين على تحقيقها .

كانت الرسالة إذن – هي إلقاء البذور وانتظار وعد الله "ولن يخلف الله وعده " ومع هذه الخطة الطويلة في التعامل مع القضية قام المؤتمر بأعمال كثيرة على الساحة الفلسطينية لا سبيل إلى حصرها ، فركز اهتمامه على جمع كلمة المسلمين إدراكا منه بأنه ما من قضية يمكن أن توحد هذه الأمة اكثر من هذه القضية ، فابتعث البعوث تطوف أرجاء العالم الإسلامي من ناحية ، والمؤسسات الشعبية من ناحية أخرى ، وكان من ثمار ذلك أيضا أنه استطاع أن يحصن عددا من قرى الحدود ويقيم الأسوار وينشئ الطرق والجسور وان يغذي حركة الجهاد الفلسطيني حتى تطورت في منظمات حملت راية المعركة ، وشارك في أعمال الخير فأقام المدارس ودعم مؤسسات التعليم ، وتبني أبناء الشهداء واللاجئين بقدر ما سمحت موارده وإمكاناته . وعقد المؤتمرات والندوات العالمية في القدس نفسها وفي اكثر العواصم الإسلامية لتحقيق الهدف الأساسي وهو انتشال المسلم من آثار الهزيمة ، ووضعه على عتبات الأمل وتوجيه إيمانه وعزيمته نحو تحرير أرض الإسراء والمعراج.


وكان من دلائل العزيمة عند رجال المؤتمر أن هذه الروح قد استعلت وبرزت حتى بعد أن دخلت الأمة في مرحة أخرى من مراحل الانحدار ، فضاعت فلسطين كلها بما فيها القدس الشريف ، فانتقلت أجهزة المؤتمر إلى عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية ، حيث وجدت عند جلالة الحسين بن طلال رحمه الله خير ناصر ومعين ، فقد كانت القدس همه الكبير وشغله الشاغل ، فاحتضن المؤتمر وجعله رسوله في البلاد الإسلامية ، فكم من قضية إسلامية نصرها الحسين من خلال هذا المؤتمر، وكم من مسعى من مساعي الخير أجراها بواسطته ، وكان من قدر الله وبشائر النجاح أن يجري اللقاء بين ملك مؤمن غيور ، ورجال نذروا أنفسهم لله وصالح الأمة . وهاهو جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين يواصل الرعاية الهاشمية لمسيرة هذا المؤتمر ودعم رسالته.
إن رسالة المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس لا تزال قائمة على حالها ، لإيقاظ الأمة ، وجمع جهودها ، ورسم طرق العمل وأساليبه أمام الشباب المؤمن ، وفي هذه الصفحات تبدوا مشاريع محددة في المجال السياسي والإعلامي ، والتعليمي ، وكل جانب من هذه الجوانب يفضي إلى حقول واسعة من العمل ، وأملنا في أثرياء الأمة ومفكريها أن يحتضنوا هذه المشاريع كل بما يستطيع ، حتى يؤدي المؤتمر الأهداف التي وضعها الأوائل .
وان رسالتي الدائمة لإخواني في مواطن الإسلام ، هي أن يحافظوا على هذه الغرسة التي زرعها رجال مؤمنون أوفياء قد أفضى بعضهم إلى الخالق جل وعلا " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا وخير وسيلة لإحياء ذكراهم ، وتأكيد رسالتهم ومنهجهم ، هي أن نحتضن آمالهم بقوةٍ ، وان نتركها إرثا تنقله أجيال المسلمين ، حتى تأتي الظروف المواتية وهي قادمة لا محالة – بإذن الله - ، وعندها يفرح المؤتمنون بنصر الله " ينصر الله من يشاء وهو العزيز الرحيم " .

كامــل الشريـف
رئيس الهيئة التنفيذية
للمؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس


 

Google

 



 
     
   
   
     

Powered by